الشنقيطي

321

أضواء البيان

وليس بيد الحاكم إلا تقليد الشاهد ، وكذلك ليس بيد العامي إلا تقليد العالم . فما الذي سوغ لك تقليد الراوي والشاهد ومنعنا من تقليد العالم ، وهذا سمع بأذنه ما رواه . وهذا عقل بقلبه ما سمعه فأدى هذا مسموعه ، وأدى هذا معقوله . وفرض على هذا تأدية ما سمعه ، وعلى هذا تأدية ما عقله ، وعلى من لم يبلغ منزلتهما القبول منهما . ثم يقال للمانعين من التقليد أنتم منعتموه خشية وقوع المقلد في الخطأ ، بأن يكون مقلده مخطئاً في فتواه ، ثم أوجبتم عليه النظر والاستدلال في طلب الحق . ولا ريب أن صوابه في تقليده للعالم أقرب من صوابه في اجتهاده هو لنفسه . وهذا كمن أراد شراء سلعة لا خبرة له بها ، فإنه إذا قلد عالماً بتلك السلعة خبيراً بها أميناً ناصحاً كان صوابه وحصول غرضه أقرب من اجتهاده لنفسه ، وهذا متفق عليه بين العقلاء ا ه . هذا هو غاية ما يحتج به المقلدون ، وقد ذكره ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين ، وبين بطلانه من واحد وثمانين وجهاً . وسنذكر هنا إن شاء الله جملاً مختصرة من كلامه الطويل تكفي المنصف . وتزيد المسألة إن شاء الله إيضاحاً وإقناعاً . قال في إعلام الموقعين بعد ذكره حجج المقلدين التي ذكرناها آنفاً ما نصه : قال أصحاب الحجة : عجباً لكم معاشر المقلدين ، الشاهدين على أنفسهم مع شهادة أهل العلم بأنهم ليسوا من أهله ، ولا معدودين في زمرة أهله . كيف أبطلتم مذهبكم ، بنفس دليلكم ، فما للمقلد وما للاستدلال ؟ وأين منصب المقلد من منصب المستدل ؟ وهل ما ذكرتم من الأدلة إلا ثياباً استعرتموها ، من صاحب الحجة فتجملتم بها ، بين الناس ، وكنتم في ذلك متشبهين بما لم تعطوه ، ناطقين من العلم بما شهدتم على أنفسكم أنكم لم تؤتوه ، وذلك ثوب زور لبستموه ، ومنصب لستم من أهله غصبتموه . فأخبرونا ، هل صرتم إلى التقليد لدليل قادكم إليه ، وبرهان دلكم عليه ، فنزلتم به من